الثعالبي

306

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

الرهن ; واستزدهم في الأجل ، ففعل أبو بكر ، فجعلوا القلائص مائة ، والأجل تسعة أعوام ، فغلبت الروم فارس في أثناء الأجل يوم بدر . وروي أن ذلك كان يوم الحديبية ، يوم بيعة الرضوان ; وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين ، وذكر الناس سرور المؤمنين بغلبة الروم ; من أجل أنهم أهل كتاب ، وفرحت قريش بغلبة الفرس ; من أجل أنهم أهل أوثان ونحوه من عبادة النار . وقوله تعالى : * ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) * . أي : له إنفاذ الأحكام من قبل ومن بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء ثم أخبر تعالى أن يوم غلبة الروم للفرس يفرح المؤمنين بنصر الله ، * ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) * يريد : كفار قريش والعرب ، أي : لا يعلمون أن الأمور من عند الله ، وأن وعده لا يخلف ، وأن ما يورده / نبيه حق . قال * ع * : وهذا الذي ذكرناه عمدة ما قيل . ثم وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما : * ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) * ، قال صاحب " الكلم الفارقية " : الدنيا طبق مسموم ، لا يعرف ضرره إلا أرباب الفهوم . قوة الرغبة في الدنيا علامة ضعفها في الآخرة . بحسب انصراف الرغبة إلى الشئ ، يجد الراغب في طلبه ، وتتوفر دواعيه على تحصيله . المطلوبات تظهر وتبين أقدار طلابها ; فمن شرفت همته شرفت رغبته ; وعزت طلبته . يا غافل ، سكر حبك لدنياك ; وطول متابعتك لغاوي هواك - أنساك عظمه مولاك ; وثناك عن ذكره وألهاك ; وصرف وجه رغبتك عن آخرتك إلى دنياك . إن كنت من أهل الاستبصار ، فألق ناظر رغبتك عن زخارف هذه الدار ; فإنها مجمع الأكدار ، ومنبع المضار ; وسجن الأبرار ; ومجلس سرور الأشرار . الدنيا كالحية تجمع في أنيابها ; سموم نوائبها ; وتفرغه في صميم قلوب أبنائها ، انتهى . قال عياض في " الشفا " : قال أبو العباس المبرد - رحمه الله - قسم كسرى أيامه ; فقال : يصلح يوم الريح للنوم ، ويوم الغيم للصيد ، ويوم المطر للشرب واللهو ، ويوم الشمس للحوائج . قال ابن خالويه : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم ، * ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) * ، لكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جزأها ثلاثة أجزاء : جزءا لله تعالى ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه . ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس ; فكان يستعين بالخاصة على العامة ; ويقول : أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي ; فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع ، أمنه الله يوم الفزع الأكبر ، انتهى . والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه ، يأخذ من هذه الآية بحظ . نور الله قلوبنا بهداه .